أبي منصور الماتريدي
22
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - والذي يغيث الملهوف هو الله تعالى . ونجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : « من أغاث ملهوفا كتب الله له ثلاثا وسبعين مغفرة » . - والذي يفزع إليه في الحوائج هو الله تعالى . ونجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « إن لله تعالى عبادا اختصهم بحوائج الناس ، يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله » . وهكذا ينسب الفعل إلى الله نسبة حقيقية ، وينسب إلى العبد نسبة سببية . ينظر : عقيدتنا للدكتور محمد ربيع جوهري ( 162 - 163 ) . هي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق علمه وإرادته ، ومعنى ذلك أنه تعالى قادر يختار في إيجاد الممكنات ، أو تركها على ما كانت عليه من العدم ، أو إعدامها بعد إيجادها ؛ لأن ذلك هو الكمال اللائق بالألوهية فليس شيء من الفعل أو الترك لازما لذاته . فإذا كان علم الله صفة انكشاف ، وإرادته صفة تخصيص ، فإن قدرته صفة تأثير وتنفيذ لما علمه وأراده من الممكنات . فإذا علم الله تعالى أن سيكون لك غلام ، واختارت الإرادة الإلهية ، ورجحت الصفات التي سيكون عليها الغلام - فإن القدرة الإلهية هي التي ستبرز هذا الغلام إلى الوجود ، فبالقدرة يكون الإيجاد ، وبالقدرة يكون الإعدام ، وبالقدرة يكون الخلق ، وبالقدرة يكون الرزق ، وبالقدرة كانت الأرض مهادا ، والجبال أوتادا وبالقدرة كان النوم سباتا ، والليل لباسا ، والنهار معاشا ، وبالقدرة يكون إرسال الرياح ، وإنزال مياه الأمطار ، وإنبات الزروع والثمار والأشجار . والقدرة كالإرادة لا تتعلق بالأمر الواجب ؛ لأنها لو تعلقت به لإيجاده يكون تحصيل حاصل ، ولو تعلقت به لإعدامه كان قلبا للحقائق ؛ لأنه لا يقبل العدم . كذلك لا تتعلق القدرة بالأمر المستحيل ؛ لأنها لو تعلقت به لإيجاده ، كان قلبا للحقائق ؛ لأنه غير قابل للوجود ، ولو تعلقت به لإعدامه ، كان تحصيل حاصل . فقوله تعالى : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 284 ] أي : كل شيء ممكن قابل للوجود والعدم ، أما المحال لذاته مثل كون الشيء موجودا معدوما في حال واحدة ، فلا تتعلق به القدرة . وعموم لفظ ( كل ) في كل موضع بحسبه ، ويعرف ذلك بالقرائن : فقوله تعالى عن الريح التي أرسلها على عاد : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [ الأحقاف : 25 ] أي : تدمر كل شيء يقبل التدمير ويستحقه ، فمساكنهم - وإن كانت شيئا - لم تدخل في عموم : ( كل ) . وقوله تعالى عن بلقيس : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] أي : من كل شيء يحتاج إليه الملوك ، وهكذا . وقدرة الله تعالى تختلف عن قدرة العبد ؛ لأن قدرة العبد حادثة ومحدودة ، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة ، وإذا قلنا : فلان من الخلق قادر ، فعلى سبيل التقييد ، أي : قادر على كذا ، ولا يقال : قادر مطلقا ؛ ولذلك فإنه لا يوصف أحد غير الله بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه آخر ، بل من وجوه أخرى ، والله تعالى وحده هو الذي ينتفي عنه العجز من كل الوجوه . ولم ترد لفظة ( القدرة ) كما جاءت صفة ( العلم ) ، ولكن ورد وصفه تعالى بأنه ( قدير ) ، قال سبحانه : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الملك : 1 ] . والقدير : هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة بلا زيادة ولا نقصان ، ومن أسمائه -